الجصاص
371
الفصول في الأصول
العقول ، وبالنظر والاستدلال ، ويحتج لصحة التقليد بالعقول ، ولا يصح له الاحتجاج للتقليد بالتقليد نفسه ، إذ لا يجوز أن تكون المسألة حجة لنفسها ، فإنما يفزع إلى معنى غير التقليد ، فيقول : إن ( النظر بدعة ، وإنه يدعو إلى الحيرة ، وإلى الاختلاف والتباين ) ( 1 ) ونحو ذلك من النظر ، وإن كان فاسدا ، فقد علمنا : أن المقلد والنافي للنظر إنما يثبته من حيث ينفيه ، كما أن النافي لعلوم الحس إنما يروم نفيها بحجاج ونظر هو دون علوم الحس في منزلة الثبات والوضوح ، فيقول : إنما أبطلت علم الحس ، لأن الإنسان قد يرى في اليوم ما ( لا ) ( 2 ) يشك في حقيقته وصحته ، كرؤيته لما يراه في اليقظة ، ثم لا يجد بعد الانتباه له حقيقة ، وكما يرى الإنسان السراب ، فلا يشك في أنه ماء ، ثم إذا جاءه لم يجده شيئا ، وكالمريض ( 3 ) يجد العسل مرا ، فلم آمن أن يكون كذلك حكم سائر المحسوسات ، فيروم إبطال ( علوم ) ( 4 ) الحس بالنظر والاستدلال . كذلك المقلد : إنما يفزع في إثبات التقليد وإبطال النظر ، إلى النظر والحجاج ، فيناقض في مذهبه ، ويهدم مقالته بحجاجه . ويقال للقائل بالتقليد والنافي لحجج العقول : أثبت القول بالتقليد بحجة ، فإن قال بغير حجة ، فقد حكم على مذهبه بالفساد ، لاعترافه بأنه لا حجة له في إثباته . وأما قول أبي حنيفة رضي الله عنه : ( حد البلوغ ) فإنا قد علمنا : أن ابن عشر سنين لا يكون بالغا ، وقد علمنا : أن ابن عشرين سنة يكون بالغا ، فهذان الطرفان قد علمنا حكمهما يقينا ، ووكل حكم ما بينهما في إثبات حد البلوغ إلى اجتهادنا ، إذا لم يرد فيه توقيف ، ولا يثبت به إجماع ، فأوجب عنده اجتهاده : أن يكون حد البلوغ ثماني عشرة سنة . وقد بينا وجه قوله فيه في مواضع غير هذا . وكذلك قوله في الغلام إذا لم يؤنس منه رشدا ( 5 ) إنه ( قد ) ( 6 ) ثبت ( 7 ) بقوله تعالى : ( حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا